06‏/06‏/2010

ما نحتاجه وما يحتاجونه.




"الفكر الإنسانيّ، تميّز به البشر عن الحيوانات واهتدى به لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه والنظر في معبوده، وما جاءت به الّرسل من عنده، فصار جميع الحيوانات في طاعته وملك قدرته وفضله به على كثير خلقه"
ابن خلدون في مقدمته.





هذا ما كان يتميّز به عصر المجد عند المسلمين ,
فقد تبيّن لهم السبيل الصحيح فاتبعوه، وأسسوا حضارةً وأمّة جديدة فضيلة، كلّ هذا انطلق من نقطة واحدة سهلٌ تجاوزها.. ألا وهي الوعي، بما وضع ابن خلدون في تعريفه.


...



بيدَ أنّه بعد كلّ هذا المجد، تدهورت الأحوال، وافتقد العالم الإسلامي لقوّته، بعد أن ظهرت الأوبئــة، الصحية والإجتماعية منها، وماتت الحضـــارة الإسلاميّة، لتكون الحضارة الأوربيّة وليدتها بعد قرون من الزّمن. فجاء الزمان الأوربيّ بعصر سمّوه "عَصْرُ الأَنْوَار".. فما المقصود من هذه التسمية؟


"إن الأنوار هي خروج الإنسان من حالة القصور العقلي التي هو مسؤول عنها، وحالة القصور العقلي هي العجز عن توظيف العقل دون توجيه من الآخر.
فلتكن لك الشجاعة لاستعمال عقلك.. هذا هو شعار الأنوار "
إيمانويلْ كانْتْ. جواب على سُؤال: ما الأنوار؟


منذُ أن قرأتُ هذا التعريف وأنا معجبٌ به.. إلّا أنني طالما شعرت أن به أمرًا ناقصًا شيئا ما؟! تبيّن لكم؟
..لنُفصّل أكثر.





" لقد أشاد المذهب الإنسانيّ [الحركة الإنسيّة] بالإنسان الحرّ الذي يبني مصيره بيديه، ولم يوفّر هذا المذهب جهدًا ليحرّر الضمير الإنسانيّ من التّصوّرات الدّينيّة عن الآخرة، وليجعل من الحياة الدّنيا محور اهتمامات البشريّة (...) لقد نمَت أفكار جديدة حول الكون والإنسان والمجتمع والدولة (...) كما ظهرت أذواق وحاجات جديدة بورجوازيّة في حقل الإبداع الفنّيّ. واتّسم منتصف هذا القرن [18م] بنشاط فكريّ هائل من أجل وضع نظريّات فلسفيّة واقتصاديّة واجتماعيّة تهدف إلى إخضاع الحاضر لنقد المطلق..."
ف. فولغين، فلسفة الأنوار، دار الطليعة، بيروت.


نعم! تبيّن لي الآن الفرق بين هؤلاء وبين أجدادي! ففي تعريف بن خلدون شممت رائحة مسك.. أما في هذه التعريف فلم أشم إلا رائحة عطر هوجو بوس.. فرغم أن عصر الأنوار تميّز بالنشاط الفكريّ والعلمي الهائلّ، فقد ركّز فقط على الحياة الدّنيا، ولم يوازن بينها وبين الآخرة، بينما كانت الحضارة الإسلاميّة متميّزة بعطرها الجامع بين العلم والإيمان..
فكان غالب علماء وفلاسفة ومفكّري عصر النهضة ملحدين ولا دينيّين..
لكن في نظري، أن الكنيسة الكاثوليكيّة كانت سببًا رئيسيًّا في جعلهم يُنكرون الغيب بسبب امتلاكها للسلطة وظلمها للنّاس وإيهامهم بخرافات غير موجودة..
لكن لو عرَف عصر الأنوار حقيقة الدين، (الإسلام)، لعادت حضارة الإسلام من جديد بشكل آخر مختلف وجميل!!


والواقع أن إنكارهم هذا لم ينعكس إلّا على واقعهم اليوم !
فلمّا نرى الدول الأوربيّة وأمريكَا مثلًا، فإنه رغم ما يتميّزون به من عدالة الديمقراطيّة، وحريّة الليبراليّة، فإنه كلّ هذه الأنظمة وغيرها من أنظمتهم أخطاءها أكثر من صوابهَا، وكثيرًا ما تُحدث لهم اختلالًا في مجتمعاتهم، لأنّها ليست عادلةً أصلًا!! وكيف ستكون خالية من الأخطاء وهي أنظمة وقوانين وضعيّة! (أي الإنسان من وضعها)، فكلّ قانون وضعيّ ينجح بدايته ويفشل أخيرًا، عكس القانون الشرعيّ (الشريعة)، الذي يبقى صالحًا في كلّ مكان وكلّ زمان ويتجدّد مع مروره، وهذا طبيعيّ بحكم أنه منزّل من خالقنَا، جلّ جلاله.



عمومًا.. خلاصةُ الحديث هو أنّ الحضارة المتقدّمة ، هي الحضارة التي يبنيها شعبٌ له الشجاعة في تشغيل عقله ، تحت سيطرة دينه وقوانينه ، موازنًا بين الدّنيا والآخرة ، وبين الروح والجسد ، ليسلك الطريق الصحيح الذي يمجّد حضارته ويُكسبُ رضا ربّـه.

28‏/11‏/2009

اَلْحِسُّ الْثَّوْرِيُّ هُوَ حِسٌّ أَخْلَاقِيٌّ فِي الْبِدَايَةِ !


قرأت هذه الحكمة، فأُعجبت بها، لأنها تكشف عن الحقيقة..
لكن الكثير لن يصدّق هذا إذا كان من معتقداته المرسّخة في الذّهن، أن جميع الثّوريين إرهابيون بالفطرة!

فالتصديق لن يكون إلا بالاقتناع، والإقتناع لن يكون إلا بالبرهان، والبرهان لن يكون إلا من هاديتشان D:

فأولا سنعرف من هؤلاء الثوريين، قبل أن نعرف أصل ثورياتهم..




الثورة لغةً :

ثارَ الشيءُ ثَوْراً وثُؤوراً وثَوَراناً وتَثَوَّرَ: هاج؛ قال أَبو كبير الهذلي: يَأْوي إِلى عُظُمِ الغَرِيف، ونَبْلُه كَسَوامِ دَبْرِ الخَشْرَمِ المُتَثَوِّرِ وأَثَرْتُه وهَثَرْتُهُ على البدل وثَوَّرْتهُ، وثَورُ الغَضَب: حِدَّته.
والثَّائر: الغضبان، ويقال للغضبان أَهْيَجَ ما يكونُ: قد ثار ثائِرُه وفارَ فائِرُه إِذا غضب وهاج غضبه.
ويقال: انْتَظِرْ حتى تسكن هذه الثَّوْرَةُ، وهي الهَيْجُ.
 
والثورة سياسيًا : 

الثورة كمصطلح سياسي هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو اسوأ من الوضع القائم وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين ،التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة . وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسماهم البروليتاريا. اما التعريف أو الفهم المعاصر والاكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية .والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم .

أمثلة للثّوريين :

الثورة الشعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 أو عسكرية وهي التي تسمى إنقلابا مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات الستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية { 1954-1962} .

ونرى أيضا ؤلئك السود بأمريكا الجنوبية وافريقيا الجنوبية ، الذين معظمهم يكونون ثوريين متوحشين ، مما يدفع البيض إلى العنصرية ضدهم . وأيضا بعض الهنود والشيشانيين . لكن السبب في ذلك التوحش هو نمط عيشهم منذ طفولتهم بعذاب و"تكرفيص" وظلم ، مما يدفعهم إلى التعبير عن حالتهم بطرق متوحشة متعددة ، كالعمليات الإرهابية وتأسيس العصابة الانتقامية وتدمير وتخريب كل ما هو جديد ، وأيضا بأغاني الراب :] ، فنرى الكثير من المغنيين المتألقين معظمهم من السود :]]


فالحكمة تقول أن قبل الحس الثوري كان هنالك حس أخلاقي ، فهذا الحس الأخلاقي هو نفسه السبب الذي يدفع ويخلق حسا ثوريا ، وهذا الحس الأخلاقي هو الشعور بالظّلم أو الدكتاتورية أو التعذيب ، فكل هذا يكوّن = الفساد الذي إما يشكّل تعذيبا لهؤلاء الذين سيصبحون ثوريين فيما بعد ، أو تعذيبا لأخوتهم ، و كل ابن وطن أو أمّة أخ لك ، فيشعرون بالشفقة على إخوانهم ، والرّحمة ، والغضب على المفسدين ، فيبدءون في محاربة الفساد بطريقة ثائرة ، لأنهم لا يجدون حلّا آخر غير هذا الحل ..

إذن فهذه العلاقة بين الحس الأخلاقي الذي يأتي بعده حسّ ثوري ، فيظن ؤلئك المرتاحين بطعامهم وشرابهم أن ؤلئك الثائرين لا قلب لهم ، ولا رحمة عندهم ، لكن الحقيقة هي العكس ، هو أننا نحن المرتاحين قلوبنا صلبة أكثر من الحجر ، لأننا لا نشعر بؤلئك الذين يعانون في أنحاء العالم المختلفة ، لا نشعر بهم أبدا ، بل نهينهم ونذلّهم ، لأنهم "إرهابيون" ، وقسما بالله أنه إذا تُركنا في وسط مليء بالظّلم والعذاب لانجذبنا للثورة والحس الثوري ، وعندها فلنلقّب أنفسنا بالإرهابيين !!

إنهم أخلاقيّون لا إرهابيون ، شباب فلسطين المحتلة ، شباب الشيشان المظلومة ، شباب إفريقيا المسروقة ..